كتبه لشمر : أ مصطفى أمواس - مدير مكتب الثقافة -محافظة البيضاء
في البيضاء تجد الجبال شامخة كأنها تحرس كرامة اهلها وتظلل انفتهم وشموخهم التي هي رأس مالهم ومقياس للحياة او الموت عندهم، لكن يظل خلف هذا الشموخ حمل ثقيل يمتد من الماضي ليخنق الحاضر انه "الثأر" ذلك القانون الوضعي الذي وضعه الانسان وظل حبيسا له وعجز عن كسر اقفاله رغم علمه اليقين بأنه يؤدي للهاوية.
كم هو عجيب حال الإنسان يبنى سياجا من العادات والتقاليد ويحيط بها نفسه ثم يظل حبيسا له ذليلاً لا يجرؤ على تجاوزها؟.
وعند التأمل لقضايا الثأر المنتشرة في البيضاء نجد اننا لا نحارب عدو غريب بل نحارب ظل يسكن في عقلياتنا فالعادات والتقاليد التي كانت صمام امان تحولت إلى مقصلة تحصد الابرياء وتنتظرهم على قارعة الطريق.
المؤلم ننا جميعا نعلم ان الثأر انتحار جماعي فتسأل الشيخ والمثقف والعسكري والقبلي والطالب "هل هذا الفعل صحيح؟" فيأتيك الجواب بالإجماع لا.. بل هو باطل وفتنة وموت وراثي، لكن بمجرد ان يسقط دم في ركن من اركان القبيلة يتبخر هذا الوعي وتعود الحمية والعصبية.
فكيف لهذا الجيل الواعي والمتعلم والمثقف ان يظل سجين قانون وضعه الاسلاف قبل مئات السنين؟ إنها القيود التي نصنعها ثم نقدسها حتى نسينا اننا نحن من يملك حق تحطيمها.
تخيلوا مشهد ذلك الرجل الذي لا ناقة له في القتل ولا جمل رجل يسعى في مناكب الأرض ولم يضغط يوماً على زناد ولم يحرض على دم لكن مشكلته تكمن في لقبه او في صلة قرابة تربطه بقاتل قد لا يعرف ملامحه احيانا، هذا الرجل يعيش الموت قبل اوانه يخرج من بيته وهو يشعر ان كل زاوية كل منعطف كل سيارة مظللة هي فخ ينتظره يعيش في سرية تامة يغير طرقه يراقب الوجوه يتوجس من ظله تخيل شعوره وهو يقود سيارته وعينه لا تفارق المرآة ليس خوفا من حادث سير بل ترقب لتقطع غادر ينهي حياته بدم بارد تنفيذاً لحكم اصدره قانون العادات والتقاليد ضده وهو بريء.
خلف هذا الرجل تقف مأساة اكبر زوجة تضع يدها على قلبها مع كل رنة هاتف وابناء يراقبون الباب كما لو كان ثغراً من الثغور، في البيضاء لم تعد الرحلة من السوق الى البيت مجرد مشوار بل هي عملية نجاة.
تتصل الزوجة أين أنت؟، وصلت؟، من معك؟. يتصل الأبناء يتحسسون صوته يتأكدون أنه لا يزال يرد على الهاتف انهم يتجرعون الموت يومياً جرعة بجرعة في انتظار تلك اللحظة التي يخشونها اللحظة التي يأتيهم فيها النبأ الصاعق "تم اغتياله في الطريق" او "رصدوه في السوق" حينها لا تسقط جثة الرجل وحدها بل تسقط احلام اسرة كاملة في بئر من الحقد لا قرار له.
الدماء التي تسفك في شعاب ووديان واسواق البيضاء بدعوى الثأر ليست إلا وقود لمحرك يحرق الجميع ونحن اليوم بحاجة الى شجاعة لرفض هذه الظاهرة رفض ان نكون ضحايا لعادات ندرك زيفها وان نتوقف عن توريث الموت لأبنائنا.
#بيضاء_بلا_ثارات
#منصة_شمر_الاعلامية
لـقـد قـتلـوه !
في البيضاء تجد الجبال شامخة كأنها تحرس كرامة اهلها وتظلل انفتهم وشموخهم التي هي رأس مالهم ومقياس للحياة او الموت عندهم، لكن يظل خلف هذا الشموخ حمل ثقيل يمتد من الماضي ليخنق الحاضر انه "الثأر" ذلك القانون الوضعي الذي وضعه الانسان وظل حبيسا له وعجز عن كسر اقفاله رغم علمه اليقين بأنه يؤدي للهاوية.
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!