منذ دخول مليشيا الحوثي إلى محافظة البيضاء في عام 2014 لم يكن القتل مجرد نتيجة للحرب بل كان واحدا من أبرز أدواتها. في السنوات الأولى ظهرت صورة الصراع بشكل واضح وقاس، جبهات مفتوحة قصف مباشر واقتحامات طالت القرى والمناطق السكنية.
وتشير بيانات مركز رصد للحقوق والتنمية إلى أن تلك المرحلة شهدت سقوط 229 قتيلا مدنيا خلال عامي 2014 و2015 تلتها 92 حالة قتل في 2016 وهي أرقام تعكس حجم العنف الذي رافق توسع الحوثيين وسيطرتهم على المحافظة.
في تلك المرحلة كان القتل صريحا ومباشرا مرتبطا بالحرب المفتوحة لكن مع مرور الوقت تغير شكل الصراع وتراجعت حدة المواجهات العسكرية وبدأت الأرقام في الانخفاض الظاهري. غير أن هذا الانخفاض لم يكن مؤشرا على تحسن الوضع بل كان بداية لتحول أخطر في طبيعة القتل.
فابتداء من عام 2017 انخفضت أعداد الضحايا إلى 72 قتيلا في 2017 و85 في 2018 قبل أن ترتفع مجددا إلى 106 قتلى في 2019 . هذه الأرقام تطرح تساؤلا جوهريا: كيف يستمر القتل بهذا المستوى في وقت يفترض أن الحرب فيه أقل اشتعالا؟
الإجابة تكشفها طبيعة الانتهاكات نفسها ففي عام 2019 ورغم انخفاض إجمالي الانتهاكات إلى 494 حالة فقط شكل القتل 21 بالمئة من هذه الانتهاكات وهو رقم مرتفع يدل على أن القتل لم يعد مرتبطا فقط بسياق المعارك بل أصبح ممارسة مستمرة ضمن سياسة القمع التي تنتهجها مليشيا الحوثي.
لم يعد القتل في البيضاء مجرد نتيجة للقصف أو الاشتباكات، بل تطور إلى أنماط أكثر تعقيدا شملت القتل المباشر والتعذيب حتى الموت والاغتيالات باستخدام العبوات الناسفة وزرع الالغام . هذه الأساليب تعكس تحولا واضحا من حرب تقليدية إلى نمط من العنف المنظم الذي يستهدف المدنيين بشكل مباشر.
اللافت في هذا التحول أن القتل أصبح أقل ظهورا لكنه أكثر استمرارية. لم تعد هناك مجازر واسعة كما في السنوات الأولى، لكن الموت لم يتوقف بل أصبح يحدث بشكل متكرر ومتفرق في صورة عمليات قنص أو اغتيال أو تصفية ما يجعل تتبعه أصعب وتأثيره أعمق على المجتمع.
كما انه لا يمكن فصل هذا الواقع عن الوضع الإنساني في المحافظة حيث أدت سياسات الحوثيين إلى نزوح آلاف الأسر وتدهور الخدمات الأساسية وارتفاع الاحتياجات الإنسانية إلى مستويات خطيرة مع اعتماد أكثر من 70 بالمئة من السكان على المساعدات . في هذا السياق يصبح القتل جزءا من منظومة ضغط متكاملة تستهدف المجتمع وتدفعه نحو مزيد من الانهيار.
اليوم، وبعد أكثر من عقد على بداية الصراع لم يعد القتل في البيضاء صاخبا كما كان في السابق لكنه لم يتراجع. بل تحول إلى نمط مختلف أقل عددا لكنه أكثر ثباتا وأكثر ارتباطا بسياسات القمع والسيطرة التي تمارسها مليشيا الحوثي.
القصة في البيضاء لم تعد عن حرب فقط بل عن واقع مستمر من العنف. فالموت لم يتوقف مع تراجع الجبهات بل تغير شكله وأصبح أكثر هدوءا وأشد خطورة. وهذا ما يجعل الحقيقة الأهم أن القتل لم يكن مرحلة وانتهت، بل أصبح مسارا مستمرا تتحمل مسؤوليته مليشيا الحوثي بشكل مباشر، في جريمة ممتدة لا تزال فصولها تتكرر حتى اليوم.
البيضاء | تحقيق خاص: من مجازر الحرب إلى القتل الصامت . مسؤولية مستمرة وجريمة لا تتوقف
لم يعد القتل في البيضاء مجرد نتيجة للقصف أو الاشتباكات، بل تطور إلى أنماط أكثر تعقيدا شملت القتل المباشر والتعذيب حتى الموت والاغتيالات باستخدام العبوات الناسفة وزرع الالغام . هذه الأساليب تعكس تحولا واضحا من حرب تقليدية إلى نمط من العنف المنظم الذي يستهدف المدنيين بشكل مباشر.
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!