ابحث في منصة شمر الإعلامية

ابحث عن الأخبار والمقالات والتقارير

Ctrl + K للبحث السريع ESC للإغلاق

البيضاء | تحقيق خاص: تحولات القمع من المواجهة المفتوحة إلى الاختطاف المنظم

تشير بيانات مركز رصد للحقوق والتنمية إلى أن إجمالي المختطفين والمعتقلين في محافظة البيضاء منذ 2014 وحتى 2025 بلغ 3773 حالة وهو رقم يكشف أن ما يجري لم يكن مرحلة مؤقتة بل مسار ممتد من الانتهاكات.
البيضاء | تحقيق خاص: تحولات القمع من المواجهة المفتوحة إلى الاختطاف المنظم
منذ دخول مليشيا الحوثي إلى محافظة البيضاء في عام 2014 لم تكن حملات الاختطاف والاعتقال مجرد إجراءات أمنية مرتبطة بظروف الحرب بل تحولت مع الوقت إلى سياسة قائمة بذاتها تستخدم لإخضاع المجتمع وإسكات أي صوت رافض.
خلال السنوات الأولى كان القمع واضحا ومباشرا مترافقا مع المواجهات العسكرية. ففي الفترة ما بين 2014 و2016 سجلت المحافظة 1236 حالة اختطاف واعتقال في واحدة من أوسع حملات القمع التي شهدتها المحافظة. لم يكن الاستهداف عشوائيا بل طال شخصيات مؤثرة داخل المجتمع من وجهاء وناشطين وتربويين في محاولة لإفراغ المجتمع من أي قوة قادرة على الرفض أو المواجهة.
لكن مع تراجع حدة المواجهات بعد تلك المرحلة لم تتوقف هذه الانتهاكات كما قد يعتقد بل تغيرت طريقتها. لم يعد القمع صاخبا كما كان في البداية بل أصبح أكثر هدوءا وتنظيما وأقرب إلى نمط يومي مستمر يصعب ملاحظته في ظاهره لكنه يترك أثرا عميقا في الداخل.
تشير بيانات مركز رصد للحقوق والتنمية إلى أن إجمالي المختطفين والمعتقلين في محافظة البيضاء منذ 2014 وحتى 2025 بلغ 3773 حالة وهو رقم يكشف أن ما يجري لم يكن مرحلة مؤقتة بل مسار ممتد من الانتهاكات.
اللافت أن الأرقام لم تتوقف عند حد معين بل استمرت في التذبذب ثم عادت للتصاعد حيث سجل عام 2025 وحده 690 حالة اختطاف واعتقال. هذا الرقم لا يعكس فقط ارتفاعا في الحالات بل يشير إلى أن الاختطاف أصبح أداة أساسية لإدارة المجتمع في ظل تراجع المواجهات العسكرية.
لم يعد الهدف من هذه الاعتقالات مجرد احتجاز أفراد بل خلق حالة عامة من الخوف. فمع اتساع دائرة الاستهداف أصبح أي شخص معرضا للاعتقال بغض النظر عن موقعه أو دوره ما أدى إلى تقييد الحياة العامة وتقليص أي مساحة للتعبير.
وفي كثير من الحالات لا يتوقف الأمر عند الاعتقال بل يمتد إلى الإخفاء القسري حيث تختفي آثار المختطفين دون معلومات واضحة عن أماكن احتجازهم أو أوضاعهم. هذا الواقع لا يضاعف معاناة المختطفين فقط بل يضع أسرهم في حالة قلق دائم بين انتظار طويل وغياب أي إجابة.
ما يحدث في البيضاء لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للوضع الإنساني في المحافظة. فمع استمرار النزوح وتدهور الخدمات الأساسية وارتفاع نسب الفقر تتحول هذه الممارسات إلى عبء إضافي على مجتمع يعاني أصلا من ظروف صعبة. كثير من الأسر فقدت معيلها وأخرى تعيش على أمل عودة أبنائها دون أن تملك أي وسيلة لمعرفة مصيرهم.
هذا التحول من القمع المباشر إلى القمع المنظم يعكس تغييرا في طريقة إدارة السيطرة. لم تعد المليشيا بحاجة إلى المواجهة المفتوحة لإخضاع المجتمع بل أصبحت تعتمد على أدوات أقل ظهورا وأكثر استمرارية تجعل الخوف حالة دائمة وليست استثناء.
اليوم، وبعد أكثر من عقد على بداية الصراع لم يعد الاختطاف في البيضاء حدثا طارئا، بل أصبح جزءا من الواقع اليومي. قد لا يكون ظاهرا كما كان القصف أو المعارك، لكنه أكثر تأثيرا لأنه مستمر ويطال المجتمع بشكل مباشر.
الخلاصة التي تفرضها هذه الأرقام واضحة وهي أن القمع لم يتراجع بل تغير شكله. ومن المواجهة المفتوحة إلى الاختطاف المنظم انتقلت المليشيا إلى مرحلة أكثر خطورة حيث أصبحت هذه الممارسات أداة ثابتة لإدارة المجتمع.
وما يجعل الصورة أكثر وضوحا أن هذه الانتهاكات لم تتوقف منذ 2014 وحتى اليوم وهو ما يضع مسؤولية مباشرة على مليشيا الحوثي عن آلاف الحالات التي تم توثيقها في جريمة ممتدة لا تزال تتكرر فصولها بصمت، لكنها لا تتوقف.

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!